القناص

مرحبا و أهلا وسهلا بك في المنتدى عزيزي الزائر(ة) نتشرف بدعوتك إلى التسجيل والمشاركة معنا وإذا كنت عضو (ة) فتفضلي بالدخول .

القناص



    النظرية الأدبية الحديثة والنقـد الأسطـوري - حنا عبود - دراسة

    شاطر
    avatar
    القناص
    المؤسس + صاحب المنتدى
    المؤسس + صاحب المنتدى

    ذكر
    عدد الرسائل : 1462
    العمر : 31
    العنوان : المغرب
    العمل/الترفيه : student
    المزاج : good
    الرتبة : 01
    معدل تقييم المستوى :
    100 / 100100 / 100

    تاريخ التسجيل : 11/07/2008
    نقاط : 9821
    السٌّمعَة : 0
    سلطة على الأعضاء :
    إختر دولتك :
    الأوسمة :

    normal النظرية الأدبية الحديثة والنقـد الأسطـوري - حنا عبود - دراسة

    مُساهمة من طرف القناص في الثلاثاء أغسطس 12, 2008 10:02 am

    النقد الأسطوري وتحدي المتغيرات

    مدخل سجالي‏

    يعتبر الأدب المقارن من الدراسات التي حظيت باهتمام كبير في النصف الثاني من القرن العشرين. والمقارنة لا تنحصر في حدود التماثل أو التشابه وحسب، بل تمتد لتشمل التأثير المتبادل واستقبال الآداب الأخرى وطريقة التعامل معها. وقد توسعت هذه الدراسات لتشمل أحقاباً أدبية وليس فقط أفراداً بعينهم، ولتقرأ تماثلات النظرية الأدبية وتبين أسبابها.‏

    فما سبب تقارب ملمح ربط السامي بالجليل عند هايني بملمح ربط السامي بالغريب عند هيغو. وما سبب قيام الدادائية في أوروبا وقيام "الأدب المضاد" في أميركا، وهما من طينة واحدة وفي وقت واحد، مع أنه لا صلات بينهما؟ وأحياناً يجري التساؤل عن سبب اختلاف أثرين أدبيين كتبا في فترة زمنية واحدة من منظور واقعي واحد، كالحرب مثلاً.‏

    ازدادت الدراسات المقارنة تخصصاً، فلم تقف عند حدود التماثل والتباين أو التأثر والتأثير المتبادل، أو الاستقبال وطريقته في التفاعل مع الآداب الوافدة وحسب، بل أمعنت في البحث عن "مسيرة الأدب الطويلة" التي تستغرق آلاف السنين. ومن هذه الدراسات تلك التي أشرف عليها آرثر هاتو حول دراسة جنس أدبي معين فقط، عبر حقبة زمنية واسعة. الجنس الأدبي الذي أشرف عليه هاتو كان بعنوان "لقاء العشاق وافتراقهم عند الفجر في الشعر" (براور "الدراسات الأدبية المقارنة" منشورات وزارة الثقافة بدمشق 1986 ص81).‏

    وقد جمعت الأشعار التي تندرج تحت هذا الموضوع، منذ أقدم شاعر بدائي وحتى عصر شكسبير، من أصقاع وعروق مختلفة كل الاختلاف، كما يقولون، درست هذه الأشعار دراسة مقارنة انتهت إلى نتيجة مذهلة وهي وجود تشابه كبير فيما بينها. إنه تشابه بلغ حد التشابه بين قصيدتين في موضوع واحد كتبهما شاعر واحد.‏

    وعندما اكتشفت ألواح أوغاريت في الشاطئ السوري عثر على قصائد يتساوى فيها أقدم شاعر أوغاريتي مع أحدث شاعر سوري (طبعاً إذا كان الموضوع واحداً). وفي بلاد الرافدين لوحظ أن عبثية كامو ويونسكو وسواهما، لا تزيد عن عبثية بعض النصوص التي عرجت عليها الألواح السومرية. وإن سفر "الجامعة" ليس أكثر من توسيع لما جاء في ملحمة كلكاميش، كلمحة عجلى وعابرة حول هذا العمر الذي يتبخر ويتبدل من غيران يترك أثراً يذكر بعده.‏

    وسواء عزونا هذا التماثل الذي يكاد يقع فيما يشبه التكرار أحياناً، إلى العامل الاجتماعي أو إلى العامل النفسي، أو حتى إلى المزاج والطباع الذاتية المتشابهة، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل "النظام الأدبي" الذي انتجته المخيلة البشرية. إن هذه النصوص لم تختر من مجتمعات أو نفوس أو أمزجة متقاربة بالمعنى السطحي الذي يجعلنا نقول أن شاعرين مختلفين بالمزاج هما مختلفان حتماً في الموضوع الشعري الواحد. إن الانطوائي يختلف عن الانبساطي اختلافاً تعكسه النصوص هنا وهناك، ولكنهما لا يختلفان إلى حد أن الأول (وليكن بدائياً) يشبه الوجه الجميل بالقمر، بينما الثاني (وليكن معاصرنا من القرن العشرين حيث ظهر القمر على حقيقته) يشبه الوجه القبيح بالقمر. فمهما حاولنا اللجوء إلى تفسير التشابه بالوضع الاجتماعي المتماثل أو النفسي أو المزاجي، فإن ذلك لا يعفينا من الإقرار بوجود "نظام أدبي" وطيد وراسخ، بل ونقول أنه نظام صارم، منذ القديم القديم. قد يفسر الوضع الاجتماعي أو الجغرافي أو الظروف العامة أوجه الاختلاف أكثر مما يفسر أوجه الائتلاف، كأن نلجأ إلى هذه الظروف في تفسير ظهور المسرحية عند اليونان وليس عند غيرهم. لكن هذه الظروف لا تسعفنا في تفسير التشابه في أغاني الزفاف -مثلاً- التي تكاد تكون واحدة منذ أيام سافو وحتى أيام سيد درويش، بل حتى أي أغنية زفاف في أيامنا هذه. العروس في هذه الأغاني يجب أن تكون جميلة الوجه والقوام ولو كانت تنفر منها الضبع، تتمختر بدقة وغنج ولو كانت مشيتها كمشية جندي في صفوف الصاعقة النازية، تحوطها الورود والرياحين ولو زفت من دون زينة. وهي رقيقة أنيسة أليفة ولو كانت شرسة كنمرة شكسبير.‏

    لكن هذا لا يعني انفصال النظام الأدبي عن المجتمع والنفس والمزاج، لأن النظام الأدبي يمثل "ما يجب أن يكون". ولهذا يتساوى مجتمعان متغايران في أغاني الزفاف، لأن هذه الأغاني "يجب" أن تكون كما يريد النظام الأدبي الذي يقر به هذان المجتمعان المتغايران، أو على فرض أنهما متغايران. ومن هنا نقول أن المجتمعات تميل إلى التشابه والتماثل في النظام الأدبي لأن هذا النظام هو عرف اجتماعي ونفسي ومزاجي مهما كانت المجتمعات والنفوس والأمزجة متباينة ومختلفة. إنه أشبه بعقد، كعقد جان جاك روسو. وحتى الشاعر المناهض للزفاف سوف ينخرط في تيار النظام الأدبي فينظم وفق متطلباته.‏

    لسنا بصدد عرض نظرية النقد الأسطوري في النظام الأدبي ودراسة فروع الأدب المختلفة ومدى خضوعها لهذا النظام، ولكننا نشير إلى قانون عام وشامل وهو تقصي الظاهرة الأدبية من خلال نسقها الخاص القائم على نظام خاص. وهذا النظام الخاص لأي ظاهرة لم يهبط من السماء، بل ظهر من الوجود البشري ذاته. فلو أخذنا أي لعبة رياضية كالملاكمة والمصارعة ورمي القرص وقذف السهم.. لوجدنا أنها تخضع لنظام. صحيح أن هذا النظام ظهر من المجتمع، ولكنه لا يتأثر بظروف المجتمع وتقلباته. فالألعاب الأولمبية بدأت بداية عشوائية في أول الأمر، ولكن مع الزمن ترسخ نظامها في القرن الثامن قبل الميلاد، ومنعتها الامبراطورية الرومانية في القرن الرابع بعد الميلاد نزولاً عند رغبة المسيحيين المتشددين. وعندما بعثت في أواخر القرن التاسع عشر حافظت على نظامها وما تزال حتى اليوم. ولا شك أننا نعتبر الألعاب الأولمبية الآن ألعاباً حديثة، لا بمعنى أننا وضعنا لها نظاماً مغايراً، وإنما بمعنى أننا وضعنا المزيد من القوننة علىهذا النظام، بحيث صار أكثر دقة، وصار زمن السباق يحسب بواحد من مئة أو ألف من الثانية، وربما توصلنا إلى حساب الواحد من مئة ألف، فمن يدري.؟ لكن هذا لم يغير من النظام الرياضي القديم شيئاً، وإن أضاف إليه المزيد من الضبط، ولعبة الألغاز تظل واحدة، على الرغم من تعددها وكثرتها، من أيام أبي الهول والغازة وحتى فوازير رمضان.‏

    والغرض من تعريجنا على هذه النقطة هو التشديد على أن "النظام" ليس ميزة للأدب وحده، يفرض نفسه رغم التباينات الكثيرة والمفارقات العديدة بين المجتمعات، وإنما ظاهرات كثيرة لا نستطيع أن نفسرها إلا اعتماداً على نظامها الخاص. وعلى هذا النظام تلح نظرية النقد الأسطوري وتعتبره من نتاج اللاوعي الجمعي. وقد استرعى هذا اللاوعي اهتمام النقاد في الميادين الأخرى ولم يقتصر على الأدب وحده. فالناقد الفني غراهام كوليير يعير هذه الناحية اهتماماً خاصاً، فهو يشبه هذا اللاوعي بالنهر الذي يجري تحت أرض كلسية. فيمكن أن ينفجر ويصبح سيلاً عارماً بعد الأمطار الغزيرة. وكذلك تيار اللاوعي، فمن الممكن أن يقذف إلى الوعي بالصور الفنية. ويرى أن هذا التيار فرضي لا يمكن البرهنة عليه إلا أن من الممكن التلميح إلى وجوده اعتماداً على جوانب غريزية من التجربة والسلوك النابعين من المخيلة النفسية. فعلى الرغم من الأصل العرقي والتباين الحضاري نلاحظ أن الناس يبصرون في أثناء نومهم الأحلام ذاتها، بقضها وقضيضها، لا تبديل ولا تغيير.‏

    يقول كوليير:‏

    ويمكن تشبيه اللاشعور بمخزن ومحطة توليد كهربائية جاهزين مجتمعين. وحين يتأثر الفنان بالتيار الوارد من هذا المصدر يتراجع الشعور العقلاني، ولا يكون له صوت كبير في تشكيل الصورة ولا تحكم كبير في مد الإحساس المحض. وبالإضافة إلى ذلك ليس في استطاعة الفنان التحكم في الآلية التي بواسطتها تتحرك هذه الرواسب الغريزية من التجربة التخيلية داخل الشعور. إنه ليس بإمكانه أن يريد لهذه الصور الأولية أن تجيء ولا أن يعيق مجيئها. فهي تعمل سراً عبر الحد الذي يفصل اللاشعور عن الإدراك الشعوري، وحتى حارس الحدود اليقظ المعروف باسم "العقل" يبدو عاجزاً عن التحكم بهذا التغلغل، إذ هناك أوقات أثناء إبداع عمل ما، يجد الفنان عقله فيها خاوياً والإحساس الموضوعي أو المحرض من الخارج معطلاً بأكمله. في مثل هذا الفراغ يصبح فعل الرسم أو التشكيل "وفق نموذج معين" نشاطاً لا صياغة للأفكار فيه، يشبه السبات. ولكن في وقت مثل هذا تقوم طبقة الأساس السفلية بعملية الاختراق. ويعمل الشخص تحت التأثير الاجباري لصورة تتطور وتظهر نفسها له ببطء. ثم تكون النتيجة المكتملة كشفاً مفاجئاً بالنسبة للفنان بقدر ما هي بالنسبة لأي شخص آخر (الفن والشعور الإبداعي، ترجمة منير الأصبحي، وزارة الثقافة، دمشق 1983 ص5/1 وما بعدها).‏

    هذا اللاوعي الجمعي ليس عشوائياً، كما قد يظن بعضنا. إنه يؤلف نظاماً مشتركاً بين البشر. ومنه ظهر النظام الأدبي الذي يمتلك قوانين صاغتها حديثاً نظرية النقد الأسطوري.‏

    * * *‏




    تنزيل نسخة مضغوطة عن الكتاب
    http://www.awu-dam.org/book/99/study99/32-h-a/32-H-A.zip


    _________________




      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 12, 2018 8:12 pm