القناص

مرحبا و أهلا وسهلا بك في المنتدى عزيزي الزائر(ة) نتشرف بدعوتك إلى التسجيل والمشاركة معنا وإذا كنت عضو (ة) فتفضلي بالدخول .

القناص



    الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها الاول والاخير والاسمى/ الجزء الاول

    شاطر
    avatar
    القناص
    المؤسس + صاحب المنتدى
    المؤسس + صاحب المنتدى

    ذكر
    عدد الرسائل : 1462
    العمر : 30
    العنوان : المغرب
    العمل/الترفيه : student
    المزاج : good
    الرتبة : 01
    معدل تقييم المستوى :
    100 / 100100 / 100

    تاريخ التسجيل : 11/07/2008
    نقاط : 9404
    السٌّمعَة : 0
    سلطة على الأعضاء :
    إختر دولتك :
    الأوسمة :

    normal الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها الاول والاخير والاسمى/ الجزء الاول

    مُساهمة من طرف القناص في الجمعة أغسطس 08, 2008 1:57 pm

    الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها الاول والاخير والاسمى
    ماذا حل بالفلسفة في العالم العربي؟ وهل لدينا فلسفة بالمعنى الدقيق للكلمة: أين هي اليوم؟ ما هي انجازاتها الراهنة؟ هذه الاسئلة التي طرحها ملف الشهر في "ايلاف"، سبق ان حاولت، كما ازعم، الاجابة عليها عام 1987 في محاضرة تحت عنوان "ظاهرة غياب الفيلسوف في الثقافة العربية"، اقيمت في قلب العاصمة البريطانية لندن ولم يحضرها سوى قلة من المهتمين، تركز جدلهم في نهايتها، وكان سجاليا بشكل غريب، حول جملة واحدة اثارت ثائرتهم سخرت فيها من عبارة كارل ماركس الشهيرة في "اطروحاته حول فيورباخ" والقائلة بأن الفلاسفة لم يفعلوا إلا تفسير العالم بطرق شتى بينما المطلوب تغييره.
    فالسؤال الرومانتيكي: هل تهجر الفلسفة ثقافة من الثقافات، كما تهجر حسناء عاشقا عاثرا الحظ؟ كان سلفا يراود كل من يتأمل الثقافة العربية الراهنة او المعاصرة، تأملا عميقا وحريصا وجديا. وكما الآن - وهنا اعيد الحياة لمعظم وجهة نظري في حينه - فالجواب بالايجاب ممكن ودقيق كما أعتقد في الاقل، ولابد تاليا من الاستفهام، حبا بثقافتنا وبانفسنا وبالحياة، عن اعراض هذه الهجرة، ثم عن كيفية احلال الوئام بينهما من جديد، وعن الهدايا التي ينبغي ان تحملها هذه الثقافة-كأي عاشق مهجور-لارضاء خاطر الفلسفة واقناعها بالكف عن الزعل ثم العودة الى الاحضان راضية مرضية.
    بداهة، وقبل اية خطوة، ينبغي علينا ان نتعرف على الاسباب الجوهرية التي دفعت الفلسفة الى الهجران المذكور. لان لكل زعل اسبابا، وما دامت الاسباب شاخصة، فليس هناك اي امل جدي بعودة المياه الى مجاريها بشكل طبيعي ودائم بين اي عاشقين. وهذا هو قانون يعرفه كل من ابتلى بالعشق وذاق لوعة الهجران حتى المتخيل وربما هذا خاصة.
    نتوقع، أن بعضا من الاحباء سيعترض على هذه المقارنة الطريفة ربما لغرابتها بين الفلسفة والحسناء على اساس انها تنطوي على كمٌ كبير من الاعتباطية والدعابة لا يليق بقدسية الموضوع. ولا نتردد-جوابا- ان نقول له بانه على ألف حق شكليا. بيد ان الجوهري يمكث قائما بعناد، طارحا نفسه بصيغة اخرى، هي الآتية: لماذا لا نجد في الثقافة العربية الراهنة رغم كل مظاهر حيويتها، البديهية او المفترضة منها، مفكرا واحدا، واحدا فقط، يستحق وناموسنا مرتاح ان نطلق عليه دون مبالغة او محاباة نعت فيلسوف بالمعنى العميق الذي نتفق على اطلاقه على افلاطون والكندي او على ارسطو والفارابي وابن سينا او على ابن عربي وكانت او على السهروردي وديكارت او على هيغل على العشرات الأخرين غيرهم من فلاسفة الشرق او الغرب؟

    فإذا بحثنا في الثقافة العربية الحديثة شمالا وجنوبا، يمينا ويسارا، مشرقا ومغربا، لا نجد بالفعل ذلك المفكر المتميز والاصيل الذي ينتزع، عبر منظورات اصيلة، مكانة فيلسوف بجدارة واستحقاق بعيدا عن الفذلكات الصحفية والاطراءات العاطفية. وهذا في الواقع هو ما استنتجناه شخصيا عن كثب، وبعيدا عن أية نزوات مشاكسة، او رغبة بغمط حق احد، او هواية الاستفزاز العابث. فبعد تقليب، نزعم بأنه غير عجول، في مختلف الانتاجات التي تعنينا في هذا الميدان، لم نعثر على ذلك الفيلسوف الحقيقي الذي يعتبر وجوده في ثقافة ما، ضرورة مستقلة بحد ذاتها، وعلامة حيويتها الجوهرية والفعلية، ما دمنا نعرف- ونتفق مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت- بان "اعظم خير يمكن ان تقدمه ثقافة ما هو ان يكون فيها فلاسفة حقيقيون".
    واذا كنا نلح اعلاه على مفهوم الهجران، فذلك بالتحديد لاننا نعتقد جازمين بان المسألة تتعلق فعلا بخراب علاقة بين اثنين، وليس مطلقا بسبب عجز عضوي في عبقريتنا التأملية او بتنافر "طبيعي" بين العقل الشرقي وفعل التفلسف كما يروج بعض مؤرخي الفلسفة الغربيين ضد الثقافة العربية الراهنة مدفوعين باغراض ايديولوجية ونوايا استعمارية وحسابات صهيونية او ما شابه. فنحن نرى، على العكس من هؤلاء، ان العقل العربي او الكردي او الفارسي او التركي والعقل الشرقي عموما، ككل العقول الانسانية الاخرى، يكتنز بالعبقرية وجدير بكل ابداع فلسفي مهما كان راقيا وساميا. ويكفينا دليلا قاطعا على ذلك ان الثقافة العربية والشرقية عموما عرفت الفلسفة في فترات سابقة من تاريخها، وعاشرتها طويلا وانجبت-باعتراف العدو والصديق- هذا الجنس من "الفلاسسفة الحقيقيين" الذين يقصدهم ديكارت والذين اصبحوا فخرا للانسانية والى الابد.
    لماذا اذن توقفت الثقافة العربية منذ بضعة قرون ولحد الان عن انجاب "فلاسفة حقيقيين"؟
    ان بعض التفسيرات التي سبقتنا على الرغم من أنها لم تطرح السؤال اعلاه بهذه الدرجة من الوضوح، حاولت تقديم اجاباتها عنه، وغالبا بشكل غير مباشر. واذا كنا ننعت هذه التفسيرات جميعا بالتهافت والاضطراب فذلك لانها على اختلافاتها الجوهرية تنطلق من ارضية ايديولوجية صريحة الى هذا الحد او ذاك. وكأي تفسير ايديولوجي فانها تقدم الجواب قبل طرح السؤال، وقبل اي بحث في الحيثيات الملموسة. وعندما تبحث في هذه الاخيرة فانها تقع بالضرورة، في نوع من الانتقائية والنظرة المنحازة، على مضض احيانا بالنسبة لبعضها، بحكم مشربها الايديولوجي ذاته.
    وابرز هذه التفسيرات ثلاثة مختلفة جذريا هي: العنصري والماركسي والتبسيطي.
    يعود التفسير العنصري بولادته الى القرن الثامن عشر، ويمد جذوره في النزعة الذاتية الغربية وخرافة التفوقية اليهودية-المسيحية. وهذا التفسير الذي ولد وتطور في اوربا الغربية ما يزال يجد ممثلين له فيها وفي الولايات المتحدة الامريكية وايضا في جميع الاوساط التابعة للثقافة الغربية بما فيها الشرقية منها.
    حتى القرن السادس عشر، كان الاعتراف بالعبقرية الفلسفية للعرب والمسلمين ثابتا لدى المفكر الغربي. وقد عبر روجيه بيكون عن ذلك بوضوح قاطع عندما قال "ان المعرفة جاءت الى العالم اربع مرات: الاولى والثانية بالعبرية عبر الانبياء وعبر حكمة سليمان والثالثة بالاغريقية عبر ارسطو والرابعة بالعربية عبر ابن سينا..". وواضح هنا ان ارسطو يرمز للعبقرية الفلسفية الاغريقية باعتباره نتاجها الطبيعي، في حين يرمز ابن سينا للعبقرية الفلسفية العربية والاسلامية باعتباره نتاجها.
    لكن ابتداء من نهاية القرن السابع عشر، وبموازاة تصاعد القوة الصناعية والاقتصادية، وخصوصا العسكرية للغرب وتحفز الاخير للسيطرة على القارات الاخرى، راح الهمٌ الاول للمؤرخ والمفكر الغربي، يتجه نحو التخلص من الاعتراف بالعبقرية الفلسفية العربية. وقد اخذ هذا التوجه، في لحظة ما، شكل صراع عنيف داخل الاوساط الفلسفية الغربية ذاتها. ففي كتابه "تاريخ الفلسفة الحديثة" المنشور في عام 1816 يشير المؤرخ الالماني بوهل الى هذا الصراع قائلا: "حتى الفترة الاخيرة جرى اعطاء العرب وحدهم شرف نشر فلسفة ارسطو في الغرب، الا ان المؤرخ الحديث هيرن يدافع اليوم عن فكرة معاكسة ترفض الاعتراف للعرب بشيء في هذا المجال".
    إلا ان هذا الصراع سرعان ما حسم لصالح هيمنة الرأي الأخير بفعل تطور العنجهية الغربية التي راحت تطور تفسيرات عنصرية في هذا الميدان كما في غيره. وقد عبر المفكر الفرنسي ارنست رينان عن هذا الطابع العنصري بشكل فج، عندما كتب في مقدمة كتابه "ابن رشد والرشدية" المنشور في عام 1852 قائلا: "ان الساميين (العرب) هم اعجز من يعطينا دروسا في الفلسفة. بل ان مالديهم من فلسفة لا يمتلك اية اصالة او ثراء انما هو مجرد تقليد سيئ للفلسفة الاغريقية".
    بلا شك ان هذا التفسير العنصري الذي يعتبر العقل العربي او الشرقي عاجزا عن التفلسف الاصيل لمجرد انتمائه للعرق السامي هو تفسير لم يعد يعبر عن نفسه اليوم بهذه الفجاجة الرينانية، خصوصا وان تقسيم الانسانية، وبالتالي العقول الى اعراق، والى آرية وسامية، لم يعد إلا كذبة غبية ومفضوحة. بيد ان نكران قدرة العرب على الابداع الفلسفي الاصيل لا يزال فكرة سائدة بقوة، بل مهيمنة، في اوساط واسعة من العاملين في الحقل الفلسفي في الغرب. وتبذل الاوساط الصهيونية حاليا، كل جهد من اجل تعميقه وتكريسه (كما نجد ذلك في كتابات المستشرق الامريكي برنارد لويس مثلا) في حين تسعى هذه الاوساط بكل جهد بالمقابل، لابراز المشتغلين الصهاينة في حقل الفلسفة وطرحهم كفلاسفة كما هو حال "الفيلسوف" المصطنع والصهيوني الفرنسي برنار هنري ليفي وامثاله.

    اجمالا نستطيع القول ان التفسير العنصري لغياب الفلاسفة في الثقافة العربية الحديثة والراهنة هو تفسير ساقط موضوعيا، ولم نذكره هنا إلا لانه موجود في بعض الاوساط الاستعمارية و-بشكل مقنٌع-لدى الاوساط الصهيونية.
    اما التفسير الماركسي فنجده سائدا لدى هؤلاء الذين يعتبرون الفلسفة الماركسية خاتمة الفلسفة، ويعتبرون كارل ماركس آخر الفلاسفة الحقيقيين ويعتبرون المادية الديالكتيكية فلسفة علمية مطلقة. ومن بين القائلين بهذا التفسير مفكرون عرب نحترمهم.
    ان العنصر الجوهري الذي يقوم عليه هذا التفسير هو، كما يبدو، اطروحة ماركس القائلة بان الفلسفات لم تقم حتى الآن إلا بتقديم تفسيرات للعالم والمطلوب الآن تغييره. والحال اننا لا نرى ان هذه المقولة يجب ان تقود بالضرورة، الى انتفاء الحاجة الى تطوير، او ابتداع تفسيرات جديدة للعالم، ما دمنا لا نرى وجود تناقض لازم بين الدعوة لتغيير العالم، وتلك الداعية الى تقديم تفسيرات جديدة-ربما-له. اما اذا كانت الدعوة لتغيير العالم تعني بالضرورة انتفاء الحاجة الى تفسيرات جديدة على اساس مطلقية صدق وكمالية وعلمية التفسير الماركسي فاننا نجد ان اطروحة ماركس تلك، تثير اشكالية عميقة من العسير قطعا على المدافعين عنها حلٌها، لانها تتضارب جوهريا مع خصوصية الفلسفة بين العلوم، اي باعتبارها العلم الوحيد الذي يسمح بالشك ويرفض قدرية الغاية ولا يمتلك هدفا يسعى الى تحقيقه. وباعتبارها العلم الوحيد الذي يبحث عن فهم العلاقة اكثر مما يبحث عن فهم السبب. بكلمة اخرى اننا لا نستطيع التحدث عن الفلسفة كما نتحدث عن الكيمياء والرياضيات لان الشك هو العمود الفقري للفلسفة، وليس اليقين كما هو الحال بالنسبة للعلوم الاخرى.
    وعلى أية حال فان تفسير انعدام الفلاسفة في الثقافة العربية الراهنة، والثقافات الاخرى، بكونه نتيجة طبيعية لتتويج المادية الديالكتيكية "خاتم" تفسيرات الوجود والعالم، هو تفسير مضطرب كما يبدو. فنحن نعتقد ان مجيء تفسيرات جديدة لاحقة هو "حتمية" ونذهب ابعد من ذلك ونقول بان العقل الانساني لن يستقر ابدا على تفسير فلسفي واحد ونهائي، مهما كان هذا الاخير "علميا" وشموليا وجميلا، بل ستظل التفسيرات الفلسفية الجديدة تتوالى الى مالا نهاية. فها نحن نشهد اصلا، وبعد قرن واحد فقط على وجود الفلسفة الماركسية بيننا، ان هذه الاخيرة ليست مطلقة الكمال والشمولية في الاجابة عن الشاغل الوجودي الانساني في البحث عن ماهيته وكيفية التحقيق التاريخي الامثل لهذه الماهية. وهذه اللاكمالية تجد تفسيرها كما يقول الماركسي الفرنسي لوي التوسر في مداخلة له في ندوة فينيسيا المنعقدة بين 11 و 13 تشرين الثاني 1977 ، في "ان مؤسسي الماركسية كانوا اناسا مثلنا يتقدمون في ميادين مجهولة لذلك كانوا هم ايضا معرضين لارتكاب الاخطاء". علاوة على ذلك كله، ان ما يجعل الأمر اكثر احراجا هو ان كبار الايديولوجيين الماركسيين، منذ مطلع هذا القرن ولحد الآن، ينزعون تلقائيا الى طرح الماركسية –وهذا ما اضر بها عمليا- كنوع من المنظومة الدوغمائية والى ايديولوجية صارمة لا ترى في المنظومات الفلسفية الاخرى المغايرة لها إلا ما يشبه الهلوسات والاوهام محرمين بذلك اي شكل من التعددية العقلية او التعددية في الموقف من تفسير الماهية الانسانية وتاريخيتها.
    اننا بكلمة لا نرفض دعوة الفلسفة الماركسية الى تغيير العالم وتغييره دون توقف ولا نرفض نقدها للفلسفات السابقة عليها، لكننا نرفض بالمقابل فكرة اننا لا نحتاج بعد الماركسية الى فلسفات جديدة وجديدة في تفسير العالم.
    اذا انتقلنا الآن الى التفسير الثالث، والذي أسميناه بالتفسيرالتبسيطي عجالة، فيجب ان نلاحظ ان هذا التفسير يتميز بكونه يسير في اتجاه مناقض فيما يتعلق بتفسير حالة الفلسفة في الثقافة العربية. انه بمعنى آخر لا يرى ان هذه الثقافة مهجورة من الفلسفة مطلقا، بل يؤكد بالعكس بانها بالف خير وخير بل لا يتردد ان يسمي لنا بجرة قلم عشرات الكتاب وحتى السياسيين كـ "فلاسفة عرب". وهذا التفسير نجده بشكل خاص في اوساط بعض المؤلفين العرب المتأثرين بالصرعات الفرنسية لاسيما المغاربة وبعض اللبنانيين وبعض المصريين.


    _________________




      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة سبتمبر 22, 2017 2:37 pm